mohandsyasser
12-29-2008, 11:21 AM
د.عبد المجيد عبد الله دية
أستاذ مساعد، كلية الشريعة جامعة
الزرقاء الأهلية، الزرقاء - الأردن
الملخّص
القرآن معجز من كل الوجوه ومن هذه الوجوه الإعجاز التشريعي، فالقرآن جاء بتشريعات لإصلاح الفرد والمجتمع، ودفع المفاسد عنهم، ومن هذه التشريعات تحريم الربا.
إن القرآن الكريم قد حرّم الرّبا ومنع النّاس من التّعامل به، لما فيه من الظّلم وأكل أموال النّاس بالباطل، وهذا ما كان يدركه المسلمون في صدر الإسلام، وأمّا اليوم فإنّ العلماء والخبراء الاقتصاديّين يدركون أضرار الرّبا ومفاسده تبعاً لتطوّر العمليات الاقتصاديّة ومنها: سوء توزيع الثّروة، وهدر الموارد الاقتصادية، وضعف التّنمية الاقتصاديّة والاستثمار، والتّضخم، البطالة وغيرها، كلّ هذا يدلّ على أنّ هذا التّشريع معجز، وأنّه من عند الله ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله.
المقدمة:
حديث القرآن عن الرّبا مخيف، وتضمن الوعيد والتهديد الشّديدين للّذين يتعاملون به في كلّ زمان، حتّى وصل التّرهيب منه إلى أنّ الله عز وجل يحارب الذين لا يتركون الرّبا، فقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون ))
وبيّن القرآن أسباب تحريم الربا، ويمكن إيجازها فيما يلي:
1- الربا ظلم: تبيّن الآيات الكريمة أنّ حقّ الإنسان أن يأخذ رأس ماله دون زيادة، فالزيادة على النقود مقابل الأجل حرام، وكان هذا التحريم حتى لا يظلم المُربي ولا يُظلم، أي يَظلم الآخرين بالزيادة على رأس ماله مقابل الأجل، وأن لا يُظلم هو إذا زاد الآخرون عليه، ودليل هذا قوله تعالى: (( لا تظلمون ولا تُظلمون ))
قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: لا تَظلمون ولا تُظلمون أي لا تزيدون فتأخذون باطلاً لا يَحلّ لكم، ولا تنقصون من أموالكم.
2- الرّبا أكلٌ لأموال النّاس بالباطل: إن الله حرّم الرّبا على اليهود فأخذوه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال النّاس بالباطل ودون وجهة حق، بسبب الرّبا وغيره.
ودليل ذلك قوله تعالى: (( وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ))
ومن صور أكل أموال النّاس بالباطل ما كان عليه الجاهليّون قبل الإسلام، فعندما كان يحلّ الأجل يزيد في المال إذا لم يستطع القضاء، وهذا حتّى يصير القليل كثيراً مُضاعفاً.
وهذا معنى قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون ))
فالمرابون يحصلون على ثمرة جهود الناس حتى تزيد أموالهم، فهم يعطون أموالهم حتى يعطوا أكثر منها، ولكن الله عز وجل لا يُضاعفها ولا يُؤجر عليها.
وبهذا المعنى يقول الله عز وجل: (( وما آتيتم من ربا ليربُوَا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون))
وبيّن القرآن نتائج الرّبا وعقوبته في الدّنيا والآخرة، ومنها أنّ الرّبا لا يزيد عند الله لا في كمّيّته ولا في بركته، بل ينقصه الله تعالى، ودليل ذلك قوله تعالى: (( يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحبّ كل كفّار أثيم ))
يقول ابن عباس: يمحق الله الرّبا أي يُنقصه.
وبيّن القرآن عقوبه الّذين يأكلون الرّبا، وهي أنّ الله لا يحبّهم بل يكرههم، ووصفهم بالكفر والإثم، وهم الّذين يستحلّون أكل الرّبا وإطعامه.
وبين القرآن حالهم يوم القيامة حيث يقومون من قبورهم كالمجانين والمصروعين ويعذّبون في النار لعدم انتهائهم عن التعامل بالربا، حيث يقول الحقّ جلّ في عُلاه: (( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ ذلك بأنهم قالوا إنّما البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ))
هذا هو حديث القرآن عن الرّبا، حديث عن أسبابه ونتائجه وعقوبته، والمسلمون في عصر الرّسالة انتهوا عن التّعامل به لأنّ الله حرّمه، إيماناً منهم وتصديقاً بما جاء به العليم الخبير، وكان يعرفون من أسباب تحريمه بأنّه ظلم وأكل لأموال النّاس بالباطل وأنّ الله يمحقه، ولم يكونوا يُدركون الحكم والأسرار لهذا التّشريع العظيم، وكيف يصل الرّبا إلى هذا الظّلم والمحق، وما هي آثاره الاجتماعية والاقتصاديّة على الفرد والمجتمع، لأن ثقافتهم وفكرهم الاقتصادي لا يؤهّلهم لمعرفة مفاسد الرّبا وآثاره على الاقتصاد كما هو الحال اليوم.
إن آثار الرّبا وأضراره ومفاسده – التي اكتشفها النّاس اليوم نتيجة تطوّر العمليات الاقتصادية وتعقّدها – تؤكّد أن تشريع الله في الربا معجز ولا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، مما يدلّ دلالة قاطعة على أنّ هذا التشريع من عند الله العليم الخبير، وليس من عند محمد r ولا صحابته، لعدم مقدرتهم على معرفة وإدراك كثير من حكم وأسرار هذه التشريع، وهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم وهو الإعجاز التشريعي في باب الربا.
وبناءً على ما سبق فإنّ الغاية من هذا البحث هي بيان الآثار الاقتصاديّة للرّبا، وجمع الشّواهد والبراهين عليها من واقعنا المعاصر، ممّا يؤكّد أنّ التّعامل بالرّبا فيه مفاسد كثيرة، وأنّ منع التّعامل به فيه مصالح كثيرة للفرد والمجتمع، وهذا يثبت ويبيّن حقيقة الإعجاز الّذي جاء به القرآن في هذا الجانب من التشريع.
وسأتناول هذا الموضوع في المباحث التالية:
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
المبحث الثاني: هدر الموارد الاقتصادية
المبحث الثالث: ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار
المبحث الرابع: التّضخّم
المبحث الخامس: البطالة
ثم الخاتمة وأهم نتائج البحث.
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1230497342225px-hjalmar-schacht_crop.jpg
صورة لعالم الاقتصاد الألماني المعروف شاخت مدير بنك الرايخ الألماني سابقا
تتركز عملية الإقراض بفائدة ( الإقراض الرّبويّ ) على الأشخاص القادرين على تقديم ضمانات تسديد القروض وفوائدها، وهو ما يؤدّي إلى تركّز ثروة البلاد في أيدي عددٍ قليل من الأشخاص
وتأييداً لهذا المعنى يقول الدكتور شاخت الألماني(Hjalmar Schacht) الجنسيّة والمدير السّابق لبنك الرّايخ الألماني(Reichsbank): "إنّه بعمليّة غير متناهية يتّضح أن جميع مال الأرض صائر إلى عددٍ قليل جداً من المرابين، ذلك لأنّ المرابي يربح دائماً في كل عمليّة، بينما المدين معرّض للرّبح والخسارة، ومن ثمّ فإنّ المال كلّه في النّهاية لابدّ بالحساب الرّياضيّ أن يصير إلى الّذي يربح دائماً"
ومن مظاهر سوء توزيع الثّروة تسخير العمل لحساب رأس المال، حيث يقوم الإنتاج على عنصرين: العمل والمال، والعمل هو الأساس الأوّل، لأنّه هو الّذي يوجد المال في الأصل، وموجب ذلك أن يتحمّل كل من العنصرين نصيبه من الرّبح والخسارة، فإذا أشركنا صاحب المال في الربح، وجب أن يشترك في الخسارة النّازلة، غير أن الفائدة تهدم هذا البنيان الطّبيعيّ، وتسخّر العمل لحساب رأس المال، لأن المنتج وهو المدين دائماً، يضمن للمرابي رأس ماله، ونصيبه من الربح، دون أن يشارك هذا الأخير في الخسارة النّازلة.
وبناءً على ما سبق فإنّ الّذين يتركّز عندهم المال فئتان:
الفئة الأولى: المرابون الّذين يقرضون المال ويربحون دائماً.
الفئة الثانية: الأشخاص الأغنياء المقترضون القادرون على تقديم ضمانات تسديد قروضهم.
وهذا يؤدي إلى تداول المال بين المرابين والأغنياء القادرين على تقديم ضمانات مما يجعل المال متداولاً بين هؤلاء وهو مخالف لمنهج الإسلام.
إن منهج الإسلام يقوم على توزيع المال بين الناس، وتداوله وحركته بينهم، ولذلك جعل علّة توزيع الفيء – كأحد مصادر المال في الإسلام – على المستحقّين منع تركيز المال في أيدي الأغنياء فقط، بل يتداول بين الناس، لقوله تعالى: (( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب))
إن الطريقة الإسلامية يهمّها أن يكون الأشخاص القائمين على المشاريع من أهل الأمانة والخبرة والالتزام، وهذا يؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثّروة والدخل بين الناس.
إن ربّ المال – في نظام المشاركة الإسلامي – لا يطلب ضمانات، لأنّه هو الضّامن للمال، بحيث يتحمّل خسرانه إذا وقع مقابل تحمّل العامل ضياع عمله.
وهذه المقارنة منطقيّة تقبلها العقول السليمة، فلو قسمنا الناس إلى فئتين: فئة تقرض بفائدة وفئة تقترض بفائدة، أمّا التي تقرض فتربح دائماً، وأمّا الّتي تقترض فهي معرّضة للربح والخسارة، فإذا تم تداول كمية من المال بين هاتين الفئتين، فإن هذه الكمية صائرة إلى الذين يربحون دائماً، لأنهم يسترجعون رأس المال مضافاً إليه الفائدة، أما الفئة الأخرى فهي معرّضة للخسارة وأغلب الظّنّ أنّها ستحصل ولو لمرّة واحدة، فيتمّ تسخير جهدهم وعملهم لخدمة رأس مال الفئة الأولى.
ويمكن توضيح ذلك في الشكل التالي:
المقرضون ( ثلاثة أشخاص ) المقترضون ( ثلاثة أشخاص )
أ رأس المال + الفائدة د يربح أو يخسر
ب رأس المال + الفائدة هـ يربح أو يخسر
ج رأس المال + الفائدة و يربح أو يخسر
احتمال الربح 100% احتمال الخسارة50%
احتمال الخسارة 0% احتمال الخسارة 50%
المقرضون المقترضون
1-لا يشاركون في الخسارة 1-يربح أو يخسر
2-يسترجع رأس ماله مضافاً إليه الفائدة 2-تم تسخير عمل هؤلاء وجهودهم لخدمة رأس مال المقترض
فالمعقول بعد هذا البيان، وبعد هذه الافتراضات أنه إذا كانت كميّة المال محدودة، فإنّها صائرة إلى الّذي يربح دائماً، لأنّه ضمن أن يعود له رأس ماله مُضافاً إليه الفائدة، ولا يتحمّل خسارة، أمّا المقترضون فإنّهم يخضعون لاحتمالات الرّبح والخسارة مما يُبعد احتمال تركّز المال عندهم، بل يرتكز المال عن المقترضين.
وبناءً على ما سبق لا يمكن لنظام الفائدة أن يُعالج مشكلة الفقر أو يصلح الدول الفقيرة، فالنّزيف مستمر من الفقراء إلى أصحاب المال، وأصحاب المال تزيد أموالهم زيادة مستمرّة، فالأغنياء يزدادون غنىً والفقراء يزدادون فقراً، ومديونيّة الدّول الفقيرة في ازدياد وفوائد هذه الدّيون في ازدياد أيضاً، وأضرب مثالاً على هذا مديونيّة بلدي الأردن وفوائدها في الجدول التالي:
جدول رقم (1) يبيّن مديونيّة الأردن وفوائدها
http://www.55a.net/firas/ar_photo/12304961429666665.jpg
نلاحظ من البيانات التي تتعلق بخدمة الدين العام الخارجي أنه بالرغم من دفع الأقساط والفوائد إلا أن رصيد الدين العام يزيد وتبقى الدولة مدينة، وتخضع لإملاءات الدول الغنيّة المقرضة، وهو نوع جديد من أنواع الاستعمار والاستعباد الفكري والاقتصادي والاجتماعي ولكن في ثوب جديد.
إنّه الظّلم وأكل أموال الناس بالباطل الذي نصّ عليه القرآن الكريم، وهذا وجه من وجوه إعجاز هذا التشريع الخالد الذي جاء به القرآن الكريم.
أستاذ مساعد، كلية الشريعة جامعة
الزرقاء الأهلية، الزرقاء - الأردن
الملخّص
القرآن معجز من كل الوجوه ومن هذه الوجوه الإعجاز التشريعي، فالقرآن جاء بتشريعات لإصلاح الفرد والمجتمع، ودفع المفاسد عنهم، ومن هذه التشريعات تحريم الربا.
إن القرآن الكريم قد حرّم الرّبا ومنع النّاس من التّعامل به، لما فيه من الظّلم وأكل أموال النّاس بالباطل، وهذا ما كان يدركه المسلمون في صدر الإسلام، وأمّا اليوم فإنّ العلماء والخبراء الاقتصاديّين يدركون أضرار الرّبا ومفاسده تبعاً لتطوّر العمليات الاقتصاديّة ومنها: سوء توزيع الثّروة، وهدر الموارد الاقتصادية، وضعف التّنمية الاقتصاديّة والاستثمار، والتّضخم، البطالة وغيرها، كلّ هذا يدلّ على أنّ هذا التّشريع معجز، وأنّه من عند الله ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله.
المقدمة:
حديث القرآن عن الرّبا مخيف، وتضمن الوعيد والتهديد الشّديدين للّذين يتعاملون به في كلّ زمان، حتّى وصل التّرهيب منه إلى أنّ الله عز وجل يحارب الذين لا يتركون الرّبا، فقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون ))
وبيّن القرآن أسباب تحريم الربا، ويمكن إيجازها فيما يلي:
1- الربا ظلم: تبيّن الآيات الكريمة أنّ حقّ الإنسان أن يأخذ رأس ماله دون زيادة، فالزيادة على النقود مقابل الأجل حرام، وكان هذا التحريم حتى لا يظلم المُربي ولا يُظلم، أي يَظلم الآخرين بالزيادة على رأس ماله مقابل الأجل، وأن لا يُظلم هو إذا زاد الآخرون عليه، ودليل هذا قوله تعالى: (( لا تظلمون ولا تُظلمون ))
قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: لا تَظلمون ولا تُظلمون أي لا تزيدون فتأخذون باطلاً لا يَحلّ لكم، ولا تنقصون من أموالكم.
2- الرّبا أكلٌ لأموال النّاس بالباطل: إن الله حرّم الرّبا على اليهود فأخذوه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال النّاس بالباطل ودون وجهة حق، بسبب الرّبا وغيره.
ودليل ذلك قوله تعالى: (( وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ))
ومن صور أكل أموال النّاس بالباطل ما كان عليه الجاهليّون قبل الإسلام، فعندما كان يحلّ الأجل يزيد في المال إذا لم يستطع القضاء، وهذا حتّى يصير القليل كثيراً مُضاعفاً.
وهذا معنى قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون ))
فالمرابون يحصلون على ثمرة جهود الناس حتى تزيد أموالهم، فهم يعطون أموالهم حتى يعطوا أكثر منها، ولكن الله عز وجل لا يُضاعفها ولا يُؤجر عليها.
وبهذا المعنى يقول الله عز وجل: (( وما آتيتم من ربا ليربُوَا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون))
وبيّن القرآن نتائج الرّبا وعقوبته في الدّنيا والآخرة، ومنها أنّ الرّبا لا يزيد عند الله لا في كمّيّته ولا في بركته، بل ينقصه الله تعالى، ودليل ذلك قوله تعالى: (( يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحبّ كل كفّار أثيم ))
يقول ابن عباس: يمحق الله الرّبا أي يُنقصه.
وبيّن القرآن عقوبه الّذين يأكلون الرّبا، وهي أنّ الله لا يحبّهم بل يكرههم، ووصفهم بالكفر والإثم، وهم الّذين يستحلّون أكل الرّبا وإطعامه.
وبين القرآن حالهم يوم القيامة حيث يقومون من قبورهم كالمجانين والمصروعين ويعذّبون في النار لعدم انتهائهم عن التعامل بالربا، حيث يقول الحقّ جلّ في عُلاه: (( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ ذلك بأنهم قالوا إنّما البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ))
هذا هو حديث القرآن عن الرّبا، حديث عن أسبابه ونتائجه وعقوبته، والمسلمون في عصر الرّسالة انتهوا عن التّعامل به لأنّ الله حرّمه، إيماناً منهم وتصديقاً بما جاء به العليم الخبير، وكان يعرفون من أسباب تحريمه بأنّه ظلم وأكل لأموال النّاس بالباطل وأنّ الله يمحقه، ولم يكونوا يُدركون الحكم والأسرار لهذا التّشريع العظيم، وكيف يصل الرّبا إلى هذا الظّلم والمحق، وما هي آثاره الاجتماعية والاقتصاديّة على الفرد والمجتمع، لأن ثقافتهم وفكرهم الاقتصادي لا يؤهّلهم لمعرفة مفاسد الرّبا وآثاره على الاقتصاد كما هو الحال اليوم.
إن آثار الرّبا وأضراره ومفاسده – التي اكتشفها النّاس اليوم نتيجة تطوّر العمليات الاقتصادية وتعقّدها – تؤكّد أن تشريع الله في الربا معجز ولا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، مما يدلّ دلالة قاطعة على أنّ هذا التشريع من عند الله العليم الخبير، وليس من عند محمد r ولا صحابته، لعدم مقدرتهم على معرفة وإدراك كثير من حكم وأسرار هذه التشريع، وهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم وهو الإعجاز التشريعي في باب الربا.
وبناءً على ما سبق فإنّ الغاية من هذا البحث هي بيان الآثار الاقتصاديّة للرّبا، وجمع الشّواهد والبراهين عليها من واقعنا المعاصر، ممّا يؤكّد أنّ التّعامل بالرّبا فيه مفاسد كثيرة، وأنّ منع التّعامل به فيه مصالح كثيرة للفرد والمجتمع، وهذا يثبت ويبيّن حقيقة الإعجاز الّذي جاء به القرآن في هذا الجانب من التشريع.
وسأتناول هذا الموضوع في المباحث التالية:
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
المبحث الثاني: هدر الموارد الاقتصادية
المبحث الثالث: ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار
المبحث الرابع: التّضخّم
المبحث الخامس: البطالة
ثم الخاتمة وأهم نتائج البحث.
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1230497342225px-hjalmar-schacht_crop.jpg
صورة لعالم الاقتصاد الألماني المعروف شاخت مدير بنك الرايخ الألماني سابقا
تتركز عملية الإقراض بفائدة ( الإقراض الرّبويّ ) على الأشخاص القادرين على تقديم ضمانات تسديد القروض وفوائدها، وهو ما يؤدّي إلى تركّز ثروة البلاد في أيدي عددٍ قليل من الأشخاص
وتأييداً لهذا المعنى يقول الدكتور شاخت الألماني(Hjalmar Schacht) الجنسيّة والمدير السّابق لبنك الرّايخ الألماني(Reichsbank): "إنّه بعمليّة غير متناهية يتّضح أن جميع مال الأرض صائر إلى عددٍ قليل جداً من المرابين، ذلك لأنّ المرابي يربح دائماً في كل عمليّة، بينما المدين معرّض للرّبح والخسارة، ومن ثمّ فإنّ المال كلّه في النّهاية لابدّ بالحساب الرّياضيّ أن يصير إلى الّذي يربح دائماً"
ومن مظاهر سوء توزيع الثّروة تسخير العمل لحساب رأس المال، حيث يقوم الإنتاج على عنصرين: العمل والمال، والعمل هو الأساس الأوّل، لأنّه هو الّذي يوجد المال في الأصل، وموجب ذلك أن يتحمّل كل من العنصرين نصيبه من الرّبح والخسارة، فإذا أشركنا صاحب المال في الربح، وجب أن يشترك في الخسارة النّازلة، غير أن الفائدة تهدم هذا البنيان الطّبيعيّ، وتسخّر العمل لحساب رأس المال، لأن المنتج وهو المدين دائماً، يضمن للمرابي رأس ماله، ونصيبه من الربح، دون أن يشارك هذا الأخير في الخسارة النّازلة.
وبناءً على ما سبق فإنّ الّذين يتركّز عندهم المال فئتان:
الفئة الأولى: المرابون الّذين يقرضون المال ويربحون دائماً.
الفئة الثانية: الأشخاص الأغنياء المقترضون القادرون على تقديم ضمانات تسديد قروضهم.
وهذا يؤدي إلى تداول المال بين المرابين والأغنياء القادرين على تقديم ضمانات مما يجعل المال متداولاً بين هؤلاء وهو مخالف لمنهج الإسلام.
إن منهج الإسلام يقوم على توزيع المال بين الناس، وتداوله وحركته بينهم، ولذلك جعل علّة توزيع الفيء – كأحد مصادر المال في الإسلام – على المستحقّين منع تركيز المال في أيدي الأغنياء فقط، بل يتداول بين الناس، لقوله تعالى: (( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب))
إن الطريقة الإسلامية يهمّها أن يكون الأشخاص القائمين على المشاريع من أهل الأمانة والخبرة والالتزام، وهذا يؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثّروة والدخل بين الناس.
إن ربّ المال – في نظام المشاركة الإسلامي – لا يطلب ضمانات، لأنّه هو الضّامن للمال، بحيث يتحمّل خسرانه إذا وقع مقابل تحمّل العامل ضياع عمله.
وهذه المقارنة منطقيّة تقبلها العقول السليمة، فلو قسمنا الناس إلى فئتين: فئة تقرض بفائدة وفئة تقترض بفائدة، أمّا التي تقرض فتربح دائماً، وأمّا الّتي تقترض فهي معرّضة للربح والخسارة، فإذا تم تداول كمية من المال بين هاتين الفئتين، فإن هذه الكمية صائرة إلى الذين يربحون دائماً، لأنهم يسترجعون رأس المال مضافاً إليه الفائدة، أما الفئة الأخرى فهي معرّضة للخسارة وأغلب الظّنّ أنّها ستحصل ولو لمرّة واحدة، فيتمّ تسخير جهدهم وعملهم لخدمة رأس مال الفئة الأولى.
ويمكن توضيح ذلك في الشكل التالي:
المقرضون ( ثلاثة أشخاص ) المقترضون ( ثلاثة أشخاص )
أ رأس المال + الفائدة د يربح أو يخسر
ب رأس المال + الفائدة هـ يربح أو يخسر
ج رأس المال + الفائدة و يربح أو يخسر
احتمال الربح 100% احتمال الخسارة50%
احتمال الخسارة 0% احتمال الخسارة 50%
المقرضون المقترضون
1-لا يشاركون في الخسارة 1-يربح أو يخسر
2-يسترجع رأس ماله مضافاً إليه الفائدة 2-تم تسخير عمل هؤلاء وجهودهم لخدمة رأس مال المقترض
فالمعقول بعد هذا البيان، وبعد هذه الافتراضات أنه إذا كانت كميّة المال محدودة، فإنّها صائرة إلى الّذي يربح دائماً، لأنّه ضمن أن يعود له رأس ماله مُضافاً إليه الفائدة، ولا يتحمّل خسارة، أمّا المقترضون فإنّهم يخضعون لاحتمالات الرّبح والخسارة مما يُبعد احتمال تركّز المال عندهم، بل يرتكز المال عن المقترضين.
وبناءً على ما سبق لا يمكن لنظام الفائدة أن يُعالج مشكلة الفقر أو يصلح الدول الفقيرة، فالنّزيف مستمر من الفقراء إلى أصحاب المال، وأصحاب المال تزيد أموالهم زيادة مستمرّة، فالأغنياء يزدادون غنىً والفقراء يزدادون فقراً، ومديونيّة الدّول الفقيرة في ازدياد وفوائد هذه الدّيون في ازدياد أيضاً، وأضرب مثالاً على هذا مديونيّة بلدي الأردن وفوائدها في الجدول التالي:
جدول رقم (1) يبيّن مديونيّة الأردن وفوائدها
http://www.55a.net/firas/ar_photo/12304961429666665.jpg
نلاحظ من البيانات التي تتعلق بخدمة الدين العام الخارجي أنه بالرغم من دفع الأقساط والفوائد إلا أن رصيد الدين العام يزيد وتبقى الدولة مدينة، وتخضع لإملاءات الدول الغنيّة المقرضة، وهو نوع جديد من أنواع الاستعمار والاستعباد الفكري والاقتصادي والاجتماعي ولكن في ثوب جديد.
إنّه الظّلم وأكل أموال الناس بالباطل الذي نصّ عليه القرآن الكريم، وهذا وجه من وجوه إعجاز هذا التشريع الخالد الذي جاء به القرآن الكريم.